http://www.jordan4ever.com/vb

السور العالي

كتبهاحازم الشلختي ، في 24 أيار 2006 الساعة: 16:35 م

لازلت أتذكر سور مدرستي الابتدائية العالي، ذلك السور الشاهق والمرتفع والذي كان يشكل لي عقدة الصغر ، ويشعرني بقصر قامتي وقلة حيلتي كلما مررت من أمامه ، أو حاذيته في أية مناسبة.

 

كنت أجلس لفترات طويلة ، أحدق فيه وأتساءل عن طريقة تسلقه وهل هناك مجال للانتصار على علوه الشاهق وارتفاعه الساحق؟ لم أيأس ،  ولم أقنط من المحاولة فقد كنت أحاول يوميا أن أتسلقه ولو لمرة واحدة حتى أكسر عناده ، وأروض كبريائه، ولكنه للأسف ، كان أقوى مني ، كان شامخاً صامداً يطال عنان السماء ، لا تهزه رياح ، ولا تنال من عضده أمطار ولا عوامل تعرية. كان دائما هناك، يحيط بمبنى المدرسة الصغير ويحضنه بكل إحكام، لا يسمح له بالتحرك من مكانه ويمنع عنه نظرات المتطفلين ، ومحاولات العابثين.

 

لو استعنت "بصديق" كان بإمكاني الانتصار عليه وترويضه ، ولكنني كنت عنيداً مثل تراب هذه الأرض الطيبة ، لا أريد أن "أكسر" نفسي لأحد ولو كان صديقاً لي يفوقني طولاً وإمكانات جسدية. لم أجرؤ حتى على التفكير باستخدام "وسائل مساعدة" أخرى تقلل من شأن انتصاري على ذلك العلم ولم أرد أن أفقد أي جزء من "حلاوة" الانتصار ، لم أشأ أن يكدر صفو أفراحي ولياليّ الملاح مساعدة خارجية مهما كانت.

 

كنت أريد أن أتفوق على طبيعتي وأتمرد على طفولتي ، وأتحدى قصر قامتي ، فلذلك استمرت تلك المحاولات "الفاشلة" بضع سنين حتى غادرت تلك المدرسة وانتقلت إلى غيرها دون أن أحقق غايتي وأجد حلا لضعف حيلتي، فبضع السنتمترات التي اكتسبتها لم تكن كافية لأتمكن من اعتلاء صهوته وتحقيق الانتصار.

 

مرارة الهزيمة لم تفارقني طيلة سنوات دراستي ، ومشاغل الحياة وتقلبات أحوالها لم تستطع أن تمحو من أعماقي تلك المشاعر القاسية، وكبرياء طفولتي لم يحطمه سوى ذلك السور العنيد الذي نعتّه بكل الصفات المشينة وأطلقت عليه كل الألقاب السيئة ، ووضعت فيه كل عيوب الدنيا ، ولكنه ، لا زال هناك صامدا قائما لا يلين.

 

ومرت السنون ، وتغيرت الأحوال ، وأخذتني الحياة في مناكبها ، وأكلت من رزقه في بلاد متعددة من هذه الكرة الأرضية ، ويشاء الله أن يجمعني بذلك السور مرة أخرى وأنا قد تجاوزت منتصف العمر ، ويا لهول المفاجأة ، ما هذا؟؟ أيعقل أن يكون ذلك العملاق بمثل هذا الارتفاع؟؟ يا ألله كم كنت قصيراً لأفشل في اعتلاءه وإعلان انتصاري، لا يتجاوز ارتفاع السور أكثر من متر ونصف فقط !!!

 

ودون تردد قمت بالقفز فوقه ، ووثبت دون أن أشعر ، وثبة أسد وجد غريمه وقد أنهكه المرض وتقدم السن ، وصرخت بصوت مرتفع ها قد انتصرت عليك أيها اللعين وأطلقت العنان لضحكة كسرت لحظات الصمت التي خيمت على المكان ، ولكنني سرعان ما توقفت عندما لاحظت نظرات الاستغراب والاستهجان على أطفالي الذين كانوا برفقتي وحارس المدرسة الذي رمقني بنظرة أعادت لي صوابي وذكرتني بحقيقة عمري الآني.

 

حازم الشلختي

hshalakhti@maktoob.com

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات أدبية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “السور العالي”

  1. تصوير رائع وذكريات جميلة ، سلمت يا حازم.

  2. سالم جميل الشديفات قال:

    قلمك رائع يا سيدي وتتحكم بمفرداتك بشكل تام.

  3. مبروك انتصارك، وسلمت يداك على هذا التصوير الرائع

    صعابنا كلها لا تتجاوز هذا الحاجز ولكن عجزنا يصور لنا أنه مارد لا يمكن التغلب عليه، وما علينا سوى النظر بعين الحقيقة والواقع وليس بعين العجز لاكتشاف هذه الحقيقة

    مع كل التحية والتقدير أخي حازم

  4. أشكرك جدا اختي العزيزة هيفاء الشريف على مرورك الذي أسعدني جدا ..

    اليأس والقنوت اذا تسللا الى قلب الانسان فإنهما يجعلان من السهل صعبا .. ومن اليسير عسيرا ومن القصير …. طويلا !!!

    علينا ان نتحلى بالامل وان نواظب وان نثابر وان نستمر في المحاولة .. فلا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة .. هذه الامور تعلمناها من خلال خبرتنا في هذه الحياة ومن خلال معاشرتنا للناس ومواجهة الكثير من الصعوبات التي كان “السور العالي” اصغرها وايسرها!!!



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر